وصية حية ...

 عند موتي ...أريد أن تقوم شيختي بمهمة تغسيلي الغسل الأخير لو كانت حية
أو ابنتي لو استطاعت ذلك أو أختي الكبيرة التي لطالما تولت هذه المهمة في
صغري كانت تفرك لي رأسي بصابون الغار ذو الرائحة المميزة وأنا أجلس على
مقعد الحمام المنخفض وسط هذه الطقوس صامتة ممتنة ومغمضة العينين حتى لا
تلسعني فقاعات الصابون الكثيفة
وإن صعبت عليها المهمة لثقل جسدي بعد الموت فلتهيل علي أول حفنة من ماء
ولتجعلها دافئة فالبرد قارص في الضفة الأخرى كما يقال .
أرجوكم لا تحشوا فمي بالقطن فمنذ ولدت وهو كذلك
دعوني أرتاح من عبء السكوت فالأسرار هناك معلنة والكلام مباح
طوال حياتي كنت أبحث عن صوتي أجرب أن أحرك شفاهي علها تتطابق مع
صوت أحدهم لكن صوتي بقي معلقاً يتأرجح على حبالي الصوتية يجرب أن يكون
بنبرة ذكورية أكثر و بحدة أعلى عسى أن يصبح مسموعاً يوما ما .
لا تغلقوا أنفي بسدادات قطنية أريد أن أشتم رائحة المسك والكافور ورائحة الأيدي
التي تمسح على وجهي تقبلني قبلة الوداع
أريد أن أعبء رئتي بالهواء المملوء بضجة الحياة فالقبر لا يحوي سوى سكون
الموت والاختناق
 لا تعقدوا الكفن حول يدي ...دعوني حرة
لن أهرب من قدري موتي , ولن ألوح للأحبة التي تودعني أعرف سيصيبهم الذعر
فكيف لميتة مسجاة في التابوت أن تمد يديها كملكة تلوح للجماهير في مسيرة
التنصيب كل الذي أبتغيه أن أفتح يدي لأحتضن أول من يرد علي ليستقبلني هناك
لا تغطوا وجهي فلن أثير سوى الشفقة
لا بهاء لميتة سوى الرهبة ولا جمال لجثمان سوى السكينة فلن أحاول في يومي
الأخير أن أنتزع إعجابكم أو أغوي الرجال انظروا إلي أنا بيضاء شاحبة فالموت
حين اعتلاني أمتص مني بهجة الحياة
دعوني أصافح الشمس بوجهي مصافحة أخيرة ألتمس سمرة وأودعها لأخر مرة
حين تضعوني في قبري التمسوا تراباً وثيراً تحت رأسي فأنا لا أعرف النوم بلا
وسادة كنت أريد أن أصنع من قصاصات جدائلي على مدار عمري وسادة طرية
فلا أجمل من أن أتوسد شعري في رحلتي الأخيرة غير أني كنت أبعثر خصلات
شعري أوزعها على أحبتي حين السفر
حين تلحدوا القبر لا تقفلوه بالرخام لتبعدوا الكلاب الضالة ونابشي القبور.
فالرخام السميك والقاسي سيحجب عني أصواتكم  عند قبري وهي تقرأ القرآن
سيمنعني صباحاً من الاستماع إلى هديل اليمام وصخب السيارات من الشارع
المحاذي لسور المقبرة و رائحة القهوة التي يصنعها الحارس المسكين
الذي أوكلت إليه هذه المهمة خوفاً من عودة الأموات فيسلبوا من الأحياء بقية الحياة
ثم ماذا لو لم أكن ميتة ؟!! ماذا لو كانت تلك غيبوبة صغرى ؟!
كيف سأمد يدي لأفتح الطريق وأناديكم هاأنذا ...
لا أريد عزاء ...لا أريد سرادقاً ...ولا شيخاً يقرأ القرآن ولا أناساً ترتدي السواد
أريد لأحبتي أن تجتمع في الصباح التالي لموتي يبدءون الاجتماع بتلاوة سورة
الرحمن كم أحب هذه السورة حين أردد مع القارئ بأي آلاء ربكما تكذبان
وليتحدثوا عن مآثري عن حماقاتي عن ذكرياتي معهم طفولتي وبعضاً من شبابي
وأحزاني والفرح الذي زارني لمماً
ليعرضوا صوري الجميلة وحتى القبيحة فأبي كان يضن بأي صورة ,لا يرضى أن
نمزقها يقول هي لحظة لا تعاد حتى لو كنا فيها بكل سخفنا وقبحنا .
ليسامحوني جميعهم حتى أسامحهم بدوري لاشيء بلا مقابل حتى هناك ههههه
آخر طلب لي زورني كل على حدا
حتى لا أشعر بثقل اللحظات الميتة وليقترب كل واحد منكم من قبري
وليهمس بسر عني أو عنه لم أعرفه وأنا حية ولا يخف فالأموات لا يعودون
ليفضحوا الأسرار ولكنني سأجدل منها وتراً أعزف عليه في كل يوم أصواتكم
فأشعر بأنكم ما زلتم أحياء ....



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كظل لا يخشى صاحبه

خواء

قصاصات "1"